أحمد بن محمد المقري التلمساني
182
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
ومنها : لمّا خلت منك القصور ولم تكن * فيها كما قد كنت في الأعياد قبّلت في هذا الثّرى لك خاضعا * وجعلت قبرك موضع الإنشاد « 1 » فلما بلغ من إنشاده ، إلى مراده ، قبل الثرى ومرّغ جسمه وعفر خده ، فبكى كل من حضر وحذفه ذلك عن سرور العيد وصدّه ، إذ كانت هذه القصة يوم عيد ، فسبحان المبدىء المعيد . [ بين الداني وابن عمار وامرأة تلقى المعتمد وابن عمار بغير حياء ] ويحكى أن رجلا رأى في منامه أثر الكائنة على المعتمد بن عباد كأن رجلا صعد منبر جامع قرطبة فاستقبل الناس وأنشد هذه الأبيات متمثلا : [ الرمل ] ربّ ركب قد أناخوا عيسهم * في ذرا مجدهم حين بسق « 2 » سكت الدّهر زمانا عنهم * ثم أبكاهم دما حين نطق وعاش أبو بكر بن اللبانة المعروف بالداني المذكور آنفا بعد المعتمد ، وقدم ميورقة آخر شعبان سنة 489 ، ومدح ملكها مبشر بن سليمان بقصيدة مطلعها : [ الكامل ] ملك يروعك في حلى ريعانه * راقت برونقه صفات زمانه وأين هذا من أمداحه في المعتمد ؟ ! . وتذكرت هنا من أهوال الداني أنه دخل على ابن عمار في مجلس ، فأراد أن يندر به وقال له : اجلس يا داني ، بغير ألف ، فقال له : نعم يا ابن عمار ، بغير ميم ، وهذا « 3 » هو الغاية في سرعة الجواب والأخذ بالثأر في المزاح . ونظيره - وإن كان من باب آخر - أن المعتمد مر مع وزيره ابن عمار ببعض أرجاء إشبيلية فلقيتهما امرأة ذات حسن مفرط ، فكشفت وجهها ، وتكلمت بكلام لا يقتضيه الحياء ، وكان ذلك بموضع الجباسين الذين يصنعون الجبس والجيارين الصانعين للجير « 4 » بإشبيلية ، فالتفت المعتمد إلى موضع الجيارين ، وقال : يا ابن عمار الجيارين ، ففهم مراده ، وقال في الحال : يا مولاي والجباسين ، فلم يفهم الحاضرون المراد ، وتحيروا ، فسألوا ابن عمار ، فقال له المعتمد : لاتبعها منهم إلّا غالية ، وتفسيرها أن ابن عباد صحف « الحيا زين » بقوله الجيارين ، إشارة إلى أن تلك المرأة لو كان لها حياء لازدانت ، فقال له والجباسين وتصحيفه « والخنا شين » أي : هي وإن كانت جميلة بديعة الحسن لكن الخنا شانها ، وهذا شأو لا يلحق .
--> ( 1 ) في ب « قبلت من هذا الثرى » . ( 2 ) بسق : سما وارتفع . والعيس : النوق . ( 3 ) في ه « وهو الغاية في سرعة الجواب » . ( 4 ) في ه « الصانعين للجيار » .